ألا أخبركم بخيركم من شركم
مقالات دينيه - - كتب في 9 يوليو, 2008 الساعة 1:03 م
ألا أخبركم بخيركم من شركم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ايها الناس ( ألا أخبركم بخيركم من شركم ) قال : فسكتوا ، فقال ذلك ثلاث مرات ، فقال رجل : بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا ، قال ( خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) أجمل ما في الدنيا أن تألف وتؤلف ، وتحب وتُحب ، فإذا ألمت بك شدة وجدت القاصي والداني والقريب والغريب حولك ….. حبا لا تملقا ، ومشاركة لا عطفا ، ومودة لا شفقة ، وهذا المنهج هو ما حرص على ترسيخه الإسلام ليجعل من المجتمع نسيجا فريدا رائعا ، فلما كان المعنى الجامع بين المسلمين الإسلام ، فقد اكتسبوا به أخوة أصيلة ووجب عليهم بذلك حقوق لبعضهم على بعض ، وكلما ازدادت المخالطة وصفا زادت الحقوق ، مثل القرابة والمجاورة والضيافة والصحبة والصداقة والأخوة الخاصة في الله عز وجل ( خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره ) أي من يؤمّل الناس الخير من جهته ويأمنون الشر من جهته ( وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) أي وشركم من لا يؤمّل الناس حصول الخير لهم من جهته ، ولا يأمنون من شره ، وإنما يرجى خير من عرف بفعل الخير وشهرته به ، ومن غلب خيره أمنت القلوب من شره ، ومتى قوي الإيمان في قلب عبد رجي خيره وأمن شره ، ومتى ضعف قل خيره وغلب شره . قال الماوردي : يشير بهذا الحديث إلى أن عدل الإنسان مع أكفائه واجب وذلك يكون بثلاثة أشياء : ترك الاستطالة ، ومجانبة الإذلال ، وكف الأذى ، لأن ترك الاستطالة آلف ، ومجانبة الإذلال أعطف ، وكف الأذى أنصف . وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا ، وقول راوي الحديث ( فقال ذلك ثلاث مرات ) لما توهموا معنى التمييز تخوفوا من الفضيحة فسكتوا حتى قالها ثلاثاً فأبرز البيان في معرض العموم لئلا يفتضحوا وهذا الحديث الجليل أصل في المروءة مع الخلق ، وذلك بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء ، والخلق الجميل ، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه ، وليتخذ الناس مرآه لنفسه فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله قال صلى الله عليه وسلم ( خير الناس أحسنهم خلقا ) أي مع الخلق بالبشر والتودد والشفقة والحلم عنهم والصبر عليهم وترك التكبر والاستطالة ومجانبة الغلظة والغضب والحقد والحسد وأصل ذلك غريزي وكماله مكتسب وقال صلى الله عليه وسلم ( خير الناس أنفعهم للناس ) بالإحسان إليهم بماله وجاهه ، فإنهم عباد اللّه وعياله ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ، أي أشرفهم عنده أكثرهم نفعاً للناس بنعمة يسديها أو نقمة يزويها عنهم ديناً أو دنيا ، ومنافع الدين أشرف قدراً وأبقى نفعاً ، قال بعضهم : هذا يفيد أن الإمام العادل خير الناس أي بعد الأنبياء ، لأن الأمور التي يعم نفعها ويعظم وقعها لا يقوم بها غيره ، وبه نفع العباد والبلاد ، وهو القائم بخلافة النبوة في إصلاح الخلق ودعائهم إلى الحق وإقامة دينهم وتقويم أودهم ولولاه لم يكن علم ولا عمل .
وقال صلى الله عليه وسلم ( أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله ) قال القاضي : ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل فرائضه ، ومحبة الله تعالى للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعصية ، وفي الحديث رد على من رفض الدنيا بالكلية من النساك وترك الناس وتخفى للعبادة محتجاً بآية {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون } الذاريات 56 وخفي عليه أن أعظم عبادة الله ما يكون نفعها عائداً لمصالح عباده
وقال صلى الله عليه وسلم ( المؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، وخير الناس أنفعهم للناس ) قال الماوردي : بين به أن الإنسان لا يصلح حاله إلا الألفة الجامعة ، فإنه مقصود بالأذية ، محسود بالنعمة ، فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً تختطفه أيدي حاسديه ، وتحكم فيه أهواء أعاديه ، فلم تسلم له نعمة ، ولم تصف له مدة وإذا كان ألفاً مألوفاً انتصر بالألف على أعاديه ، وامتنع بهم من حساده ، فسلمت نعمته منهم ، وصفت مودته بينهم ، وإن كان صفو الزمان كدراً ويسره عسراً وسلمه خطر ، والعرب تقول من قل ذل وقال أبو حاتم : لا يجب على العاقل أن يكافئ الشر بمثله ، وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحا ، إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب وتحصين العورات حتى لا يجد العدو إليه سبيلا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ، من تركه الناس اتقاء فحشه ) أي لأجل قبح فعله وقوله ، أو لأجل اتقاء فحشه أي مجاوزة الحد الشرعي قولاً أو فعلاً ، وهذا أصل في ندب المداراة إذا ترتب عليها دفع ضر أو جلب نفع ، بخلاف المداهنة فحرام مطلقاً إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا ، والمداراة بذل الدنيا لصلاح دين أو دنيا ، بنحو : رفق بجاهل في تعليم ، وبفاسق في نهي عن منكر ، وتركه إغلاظ وتألف ونحوها مطلوبة محبوبة إن ترتب عليها نفع ، فإن لم يترتب عليها نفع بأن لم يتق شره بها كما هو معروف في بعض الأنام فلا تشرع، فما كل حال يعذر ولا كل ذنب يغفر ، وقال بعضهم : أُخذ من هذا الخبر أن ملازمة الرجل الشر والفحش حتى يخشاه الناس اتقاء لشره من الكبائر وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) أي دواهيه جمع بائقة الداهية ، وجاء في حديث تفسيرها بالشر وهو تفسير بالأعم ، زاد في رواية ، قالوا : وما بوائقه ، قال : شره ، وذلك لأنه إذا كان مضراً لجاره كان كاشفاً لعورته حريصاً على إنزال البوائق به دل حاله على فساد عقيدته ونفاق طويته ، أو على امتهانه ما عظم اللّه حرمته وأكد وصلته ، فإصراره على هذه الكبيرة مظنة حلول الكفر به فإن المعاصي بريده ، ومن ختم له بالكفر لا يدخلها ، أو هو في المستحل أو المراد الجنة المعدة لمن قام بحق جاره ، قال ابن أبي جمرة : حفظ الجار من كمال الإيمان وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه ، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان بقدر الطاقة كهدية وسلام وطلاقة وجه وتفقد حال ومعاونة وغير ذلك ، وكف أسباب الأذى الحسية والمعنوية عنه وتتفاوت مراتب ذلك بالنسبة للجار الصالح وغيره
كتب في مقالات دينيه |



